قوله تعالى: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ...(17)
قوله تعالى: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)
في المراد أربعة أقوال:
أحدها: أنها الدين، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: أنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الضحاك.
والثالث: القرآن، قاله ابن زيد.
والرابع: البيان، قاله مقاتل.
وفي المشار إليه ب «مَنْ» قولان:
أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس والجمهور.
والثاني: أنهم المسلمون، وهو يخرَّج على قول الضحاك.
وفي قوله تعالى: (وَيَتْلُوهُ) قولان:
أحدهما: يتبعه.
والثاني: يقرؤه.
وفي هاء «يتلوه» قولان:
أحدهما: أنها ترجع إِلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.
والثاني: إِلى القرآن، وقد سبق ذكره في قوله: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ) .
وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال:
أحدها: أنه جبريل.
والثاني: أنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يتلو القرآن.
والثالث: أنه علي بن أبي طالب.
و «يتلوه» بمعنى يتبعه.
والرابع: أنه رسول لله صلى الله عليه وسلم هو شاهد من الله عزّ وجلّ.
والخامس: أنه ملَك يحفظه ويسدده.
والسادس: أنه الإِنجيل يتلو القرآن بالتصديق، وإِن كان قد أنزل قبله، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بشَّرت به التوراة.
والسابع: أنه القرآن ونظمه وإِعجازه.
والثامن: أنه صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخايله، لأن كل عاقل نظر إِليه علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي هاء «منه» ثلاثة أقوال.
أحدها: أنها ترجع إِلى الله تعالى.
والثاني: إِلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والثالث: إِلى البيِّنة.
قوله تعالى: (وَمِنْ قَبْلِهِ) في هذه الهاء ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها ترجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.
والثاني: إِلى القرآن.
والثالث: إِلى الإِنجيل، أي: ومن قبل الإِنجيل كِتابُ مُوسى يتبع محمدًا بالتصديق له، ذكره ابن الأنباري.
قال الزجاج: والمعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلًا على أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيكون «كتاب موسى» عطفا على قوله تعالى: (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) أي: ويتلوه كتاب موسى عليه السّلام، لأنّ موسى وعيسى عليهما السّلام بشّرا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في التوراة والإِنجيل.
ونصب «إِماما» على الحال.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف تتلوه التوراة، وهي قبله؟
قيل: لما بشَّرت به، كانت كأنها تالية له، لأنها تبعته بالتصديق له.
وقال ابن الأنباري: «كتاب موسى» مفعول في المعنى، لأن جبريل تلاه على موسى عليه السّلام، فارتفع الكتاب، وهو مفعول بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب موسى كذاك، أي: تلاه جبريل أيضًا، كما تقول العرب: أكرمت أخاك وأبوك، فيرفعون الأب، وهو مكرَم على الاستئناف، بمعنى: وأبوك مكرَم أيضًا.
قال: وذهب قوم إِلى أن كتاب موسى فاعل، لأنه تلا محمدًا بالتصديق كما تلاه الإِنجيل.
(فصل) فتلخيص الآية: أفمن كان على بيِّنة من ربه كمن لم يكن؟
قال الزجاج: ترك المضادَّ له، لأن في ما بعده دليلًا عليه، وهو قوله: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ».
وقال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إِلى الدنيا، جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟
فاكتفى من الجواب بما تقدم، إِذ كان فيه دليل عليه.
وقال ابن الأنباري: إِنما حُذف لانكشاف المعنى، والمحذوف المقدَّر كثير في القرآن والشعر، قال الشاعر:
فأُقْسِمُ لَوْ شيءٌ أتانا رسولُه ... سواكَ، وَلكِن لم نَجِدْ لكِ مَدْفعا
فإن قلنا: إِن المراد بمن كان على بيِّنة من ربه، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعنى الآية: ويتبع هذا النبيَّ شاهد، وهو جبريل عليه السلام «منه» أي: من الله.
وقيل: «شاهد» هو علي بن أبي طالب عليه السّلام، «منه» أي: من النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وقيل: «يتلوه» يعني القرآن، يتلوه جبريل، وهو شاهد لمحمّد صلى الله عليه وسلم أن الذي يتلوه جاء من عند الله تعالى.
وقيل: ويتلو رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهو شاهد من الله تعالى.
وقيل: ويتلو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآنَ، فلسانه شاهد منه.
وقيل: ويتبع محمدًا شاهد له بالتصديق، وهو الإِنجيل من الله تعالى.
وقيل: ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه، وهو سَمْتُه وهديه الدالُّ على صدقه.
وإِن قلنا: إِن المراد بمن كان على بيِّنة من ربه المسلمون، فالمعنى: أنهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو البيِّنة، ويتبع هذا النبي شاهد له بصدقه.
قوله تعالى: (إِمامًا وَرَحْمَةً) إِنما سماه إِمامًا، لأنه كان يهتدى به، وَرَحْمَةً أي: وذا رحمة، وأراد بذلك التوراة، لأنها كانت إِماما وسببًا لرحمة من آمن بها.
قوله تعالى: (أُولئِكَ) فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه إِشارة إِلى أصحاب موسى.
والثاني: إِلى أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم.
والثالث: إِلى أهل الحق من أُمة موسى وعيسى ومحمد.
وفي هاء «به» ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها ترجع إِلى التوراة.
والثاني: إِلى القرآن.
والثالث: إلى محمّد صلى الله عليه وسلم.
وفي المراد بالأحزاب هاهنا أربعة أقوال:
أحدها: جميع الملل، قاله سعيد بن جبير.
والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة.
والثالث: قريش، قاله السدي.
والرابع: بنو أُمية، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل طلحة بن عبد العُزّى، قاله مقاتل.
قوله تعالى: (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) أي: إِليها مصيره، قال حسان بن ثابت:
أَوْرَدْتُمُوها حِيَاضَ المَوْتِ ضَاحِيَةً ... فالنّار موعدها والموت لاقيها
وفي المكنّى عنه قولان:
أحدهما: أنه الإِخبار بمصير الكافر به، فالمعنى: فلا تك في شك أن موعد المكذِّب به النار، وهذا قول ابن عباس.
والثاني: أنه القرآن، فالمعنى: فلا تك في شك من أن القرآن من الله تعالى، قاله مقاتل.
قال ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة.
قوله تعالى: (أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ)
قال الزجاج: ذكر عرضهم توكيدًا لحالهم في الانتقام منهم، وإِن كان غيرهم يعرض أيضًا.
فأما «الأشهاد» ففيهم خمسة أقوال:
أحدها: أنهم الرسل، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: الملائكة، قاله مجاهد وقتادة.
والثالث: الخلائق، روي عن قتادة أيضًا.
وقال مقاتل: «الأشهاد» الناس، كما يقال: على رؤوس الأشهاد، أي على رؤوس الناس.
والرابع: الملائكة والنّبيّون وأمّة محمّد صلى الله عليه وسلم يشهدون على الناس، والجوارح تشهد على ابن آدم، قاله ابن زيد.
والخامس: الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجاج.
قال ابن الأنباري: وفائدة إِخبار الأشهاد بما يعلمه الله تعظيم بالأمر المشهود عليه ودفع المجاحدة فيه.