قوله عز وجل: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف خاطب اثنين، وإنما ذكر الإنسان وحده؟
فعنه جوابان ذكرهما الفراء:
أحدهما: أن العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين كما بيَّنّا في قوله:
(أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ) .
والثاني: أن الذِّكر أريد به: الإنسان والجانّ، فجرى مجرى الخطاب لهما من أول السورة إلى آخرها.
قال الزجاج: لمّا ذكر اللهُ تعالى في هذه السورة ما يدُلُّ على وحدانيته من خَلْق الإنسان وتعليم البيان وخَلْق الشمس والقمر والسماء والأرض، خاطب الجنّ والإنس، فقال: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) أي: فبأيِّ نِعَم ربِّكما تُكذِّبان من هذه الأشياء المذكورة، لأنها كلَّها مُنْعَم بها عليكم في دلالتها إيّاكم على وحدانيَّته وفي رزقه إيّاكم ما به قِوامكم.
وإن قيل قد أخبر الله تعالى عن خَلْق آدم عليه السلام بألفاظ مختلفة، فتارة يقول: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، وتارة: «مِن صَلْصالٍ» ، وتارة: «مِنْ طِينٍ لازِبٍ» ، وتارة: «كالفخّار» ، وتارة: «من حمأ مسنون» فالجواب: أن الأصل التراب فجُعل طينًا، ثم صار كالحمإِ المسنون، ثم صار صَلصالًا كالفَخّار، فهذه أخبار عن حالات أصله.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الفائدة في تكرار قوله: «فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبانِ» ؟
الجواب أن ذلك التكرير لتقرير النِّعم وتأكيد التذكير بها.
قال ابن قتيبة: من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز لأن افتنان المتكلّم والخطيب في الفنون أحسن من اختصاره في المقام على فنٍّ واحدٍ، يقول القائل: واللهِ لا أفعله، ثم واللهِ لا أفعله، إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع مِنْ أنْ يفعله، كما تقول: واللهِ أفعلُه، بإضمار «لا» إذا أراد الاختصار، ويقول القائل للمستعجل: اعْجَل اعْجَل، وللرامي: ارمِ ارمِ، قال الشاعر:
كَمْ نِعْمَةٍ كانَتْ له وَكمْ وَكمْ
وقال الآخر:
هلا سألت جموع كندة ... يَوْمَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنا
وربَّما جاءت الصِّفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانيةً لأنها كلمة واحدةٌ، فغيَّروا منها حرفًا ثم أتبعوها الأولى، كقولهم، عَطْشَانُ نَطْشَان، وشَيطان لَيْطان، وحَسَنٌ بَسَنٌ.
قال ابن دريد: ومن الإتباع: جائع نائع، ومليح قريح، وقبيح شَقِيح، وشَحيح نَحيح، وخبيث نبيث، وكثير نثير، وسيِّغ لَيِّغ، وسائغ لائغ، وحَقير نَقير، وضَئيل بئيل، وخضر مضر، وعقريب نقريب، وثِقَةٌ نِقَةٌ، وكِنٌّ إنٌّ، وواحدٌ فاحدٌ، وحائرٌ بائر، وسمج لمج.
قال ابن قتيبة: فلمّا عَدَّد اللهُ تعالى في هذه السورة نعماءَه، وأذكَرَ عِبَادَه آلاءَه، ونبَّههم على قُدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نِعمتين، ليُفَهِّمهم النِّعم ويُقَرِّرهم بها، كقولك للرجل: أَلم أُبَوِّئْكَ مَنْزِلًا وكنتَ طريدًا؟
أفتُنْكِرُ هذا؟ ألم أحُجَّ بك وأنت صَرُورَةٌ؟ أفَتُنْكِرُ هذا؟.
وروى الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه» من حديث جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم سورة الرّحمن حتى ختمها ثم قال: «ما لي أراكم سكوتًا؟!
لَلْجِنُّ كانوا أحسنَ منكم ردًّا، ما قرأتُ عليهم هذه الآية من مَرَّة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إِلاّ قالوا: ولا بشيء من نِعمك ربَّنا نكذِّب فلك الحمد».