قوله تعالى: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ(26)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف وقعت شهادة الشّاهد هاهنا معلَّقة بشرط، والشارط غير عالم بما يشرطه؟
فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري.
أحدهما: أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه، فكأنه سمع بعض كلام يوسف وزليخا، فعلم، غير أنه أوقع في شهادته شرطًا ليَلزم المخاطبين قبولُ شهادته من جهة العقل والتمييز، فكأنه قال: هو الصّادق عندي، فإن تدبّرتم ما أشترطه لكم، عقلتم قولي، ومثل هذا قول الحكماء: إِن كان القَدَر حقًا، فالحرص باطل، وإِن كان الموت يقينًا، فالطمأنينة إِلى الدنيا حمق.
والجواب الثاني: أن الشاهد لم يقطع بالقول، ولم يعلم حقيقة ما جرى، وإِنما قال ما قال على جهة إِظهار ما يسنح له من الرأي، فكان معنى قوله: (وَشَهِدَ شاهِدٌ) أعلم وبيَّن.
فقال: الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقَف على الخائن.
فهذان الجوابان يدلان على أن المتكلم رجل.
فإن قلنا: إِنه صبي في المهد، كان دخول الشرط مصحِّحًا لبراءة يوسف، لأن كلام مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شكّ.