«فَإِنْ قِيلَ» : كيف عاب الله هؤلاء حين قالوا: إِن الحسنة من عند الله، والسيئة من عند النبي عليه السلام، وردّ عليهم بقوله تعالى: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ثم عاد فقال: (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) فهل قال القوم إِلا هكذا؟
فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم أضافوا السّيئة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تشاؤمًا به، فردّ عليهم، فقال: كلٌ بتقدير الله.
ثم قال: ما أصابك من حسنة، فمن الله، أي: من فضله، وما أصابك من سيئة، فبذنبك، وإِن كان الكل من الله تقديرًا.
والثاني: أن جماعة من أرباب المعاني قالوا: في الكلام محذوف مقدّر، تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا، يقولون: ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك.
فيكون هذا من قولهم.
والمحذوف المقدّر في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا) أي: يقولان: ربنا.
ومثله (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) أي: فحلق، ففدية.
ومثله (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ أي: فيقال لهم.
ومثله (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي: يقولون سلام.
ومثله (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ) أراد: لكان هذا القرآنَ.
ومثله (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) أراد: لعذّبكم.
ومثله (رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا) أي: يقولون.
وقال النَّمِرُ بنُ تولب:
فإنَّ المنيَّة من يخشَها ... فَسَوْفَ تُصَادِفُه أينما
أراد: أينما ذهب.
وقال غيره:
فأُقْسِمُ لَوْ شيءٌ أتانا رسولُه ... سواكَ وَلكِن لم نجد لَك مدفعا
أراد: لرددناه.