فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 433

قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ...(7)

«فَإِنْ قِيلَ» : فما فائدة إنزال المتشابه، والمراد بالقرآن البيان والهدى؟

فعنه أربعة أجوبة:

أحدها: أنه لما كان كلام العرب على ضربين:

أحدهما: الموجز الذي لا يخفى على سامعه، ولا يحتمل غير ظاهره.

والثاني: المجاز، والكنايات، والإشارات، والتلويحات، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب، والبديع في كلامهم، أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكمًا واضحًا، لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا؟

ومتى وقع الكلام إشارة أو كناية، أو تعريض أو تشبيه، كان أفصح وأغرب.

قال امرؤ القيس:

ما ذرفت عيناك إلّا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتَّل

فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد، وزاد في بلاغته، وقال امرؤ القيس أيضًا:

رَمَتْني بَسَهْمٍ أَصَابَ الفُؤَادَ ... غَدَاةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنتصر

وقال أيضًا:

فقلت له لما تمطى بصُلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل

فجعل لليل صلبًا وصدرًا على جهة التشبيه، فحسن بذلك شعره.

وقال غيره:

من كميت أجادها طابخاها ... لم تمت كل موتها في القدور

أراد بالطابخين: الليل والنهار على جهة التشبيه.

وقال آخر:

تبكي هاشمًا في كل فجر ... كما تبكي على الفنن الحمام

وقال الآخر:

عَجِبْتُ لها أَنَّى يَكُونُ غِناؤها ... فَصيحًا ولم تفتح بمنطقها فما

فجعل لها غناء وفمًا على جهة الاستعارة.

والجواب الثاني: أن الله تعالى أنزله مختبرًا به عباده، ليقف المؤمن عنده، ويردّه إلى عالمه، فيعظم بذلك صوابه، ويرتاب به المنافق، فيداخله الزيغ، فيستحق بذلك العقوبة، كما ابتلاهم بنهر طالوت.

والثالث: أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردّهم المتشابه إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم، ويتصل بالبحث عنه اهتمامهم فيثابون على تعبهم، كما أثيبوا على سائر عباداتهم، ولو جعل القرآن كله محكمًا لاستوى فيه العالم والجاهل، ولم يفضل العالم على غيره، ولماتت الخواطر، وإنما تقع الفكرة والحيلة مع الحاجة إلى الفهم، وقد قال الحكماء: عيب الغنى: أنه يورث البلادة، وفضل الفقر: أنه يبعث على الحيلة، لأنه إذا احتاج احتال.

والرابع: أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني غامضة، ومسائل دقيقة ليحرجوا بها من يعلّمون، ويمرّونهم على انتزاع الجواب، لأنهم إذا قدروا على الغامض، كانوا على الواضح أقدر، فلما كان ذلك حسنًا عند العلماء، جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو، وهذه الأجوبة معنى ما ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت