فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 433

قوله تعالى: (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)

واختلفوا في القائل لهذا على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يوسف، وهو من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي عن شخص شيئًا ثم تصله بالحكاية عن آخر، ونظير هذا قوله: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ هذا قول الملأ فَماذا تَأْمُرُونَ قول فرعون.

ومثله: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً هذا قول بلقيس وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ قول الله عزّ وجلّ.

ومثله: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا قول الكفار، فقالت الملائكة: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وإِنما يجوز مثل هذا في الكلام، لظهور الدلالة على المعنى.

واختلفوا، أين قال يوسف هذا؟

على قولين:

أحدهما: أنه لما رجع الساقي إِلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة العزيز والنسوة للملك، قال حينئذ: «ذلك ليعلم» ، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ابن جريج.

والثاني: أنه قاله بعد حضوره مجلس الملك، رواه عطاء عن ابن عباس.

قوله تعالى: (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أي: ذلك الذي فعلت من ردِّي رسول الملك، ليعلم.

واختلفوا في المشار إِليه بقوله: ( «ليعلم» وقوله: ( «لم أخنه» على أربعة أقوال:

أحدها: أنه العزيز، والمعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته بِالْغَيْبِ أي: إِذا غاب عني، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والجمهور.

والثاني: أن المشار إِليه بقوله: ( «ليعلم» الملك، والمشار إِليه بقوله: ( «لم أخنه» العزيز، والمعنى:

ليعلم الملك أني لم أخن العزيز في أهله بالغيب، رواه الضحاك عن ابن عباس.

والثالث: أن المشار إِليه بالشيئين، الملك، فالمعنى: ليعلم الملك أني لم أخنه، يعني الملك أيضًا، بالغيب.

وفي وجه خيانة الملك في ذلك قولان:

أحدهما: لكون العزيز وزيره، فالمعنى: لم أخنه في امرأة وزيره، قاله ابن الأنباري.

والثاني: لم أخنه في بنت أخته، وكانت أزليخا بنت أخت الملك، قاله أبو سليمان الدمشقي.

والرابع: أن المشار إِليه بقوله: ( «ليعلم» الله عزّ وجلّ، فالمعنى: ليعلم الله أني لم أخنه، روي عن مجاهد، قال ابن الأنباري: نسبَ العلم إِلى الله في الظاهر، وهو في المعنى للمخلوقين، كقوله:(حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ) .

«فَإِنْ قِيلَ» : إِن كان يوسف قال هذا في مجلس الملك، فكيف قال: «ليعلم» ولم يقل: لتعلم، وهو يخاطبه؟

فالجواب: أنا إِن قلنا: إِنه كان حاضرًا عند الملك، فانما آثر الخطاب بالياء توقيرًا للملك، كما يقول الرجل للوزير: إِن رأى الوزير أن يوقّع في قصتي.

وإِن قلنا: إِنه كان غائبًا، فلا وجه لدخول التاء، وكذلك إِن قلنا: إِنه عنى العزيز، والعزيز غائب عن مجلس الملك حينئذ.

والقول الثاني: أنه قول امرأة العزيز، فعلى هذا يتصل بما قبله، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته الآن بالكذب عليه.

والثالث: أنه قول العزيز، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، فلم أغفل عن مجازاته على أمانته، حكى القولين الماوردي.

قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ)

قال ابن عباس: لا يصوِّب عمل الزناة، وقال غيره:

لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت