قوله تعالى: (وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)
وفي «بَعْض» ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها بمعنى «كُلّ» ، قاله أبو عبيدة، وأنشد للبيد:
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذا لَمْ أَرْضَها ... أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفوسِ حِمامُها
أراد: كُلَّ النفُّوس.
والثاني: أنها صِلَة، والمعنى: يُصِبْكم الذي يَعِدُكم، حُكي عن الليث.
والثالث: أنها على أصلها، ثم في ذلك قولان أحدهما: أنه وعدهم النجاةَ إن آمنوا، والهلاكَ إن كفروا، فدخل ذِكْر البعض لأنهم على أحد الحالين.
والثاني: أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، فصار هلاكُهم في الدنيا بعضَ الوَعْد، ذكرهما الماوردي.
قال الزجاج: هذا باب من النظر يذهب فيه المُناظِر إلى إلزام الحُجَّة بأيسر ما في الأمر، وليس في هذا نفي إصابة الكلِّ، ومثله قول الشاعر:
قَدْ يُدْرِكُ المُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وإنما ذكر البعض ليوجبَ الكلَّ، لأن البعض من الكلّ، ولكن القائل إذا قال: أقل ما يكون للمتأني إدراك بعض الحاجة، وأقل ما يكون للمستعجل الزَّلل، فقد أبان فَضْلَ المتأنِّي على المستعجِل، بما لا يَقْدِر الخصم أن يدفعه، فكأنَّ المؤمن قال لهم: أَقَلْ ما يكون في صِدقه أن يُصيبَكم بعضُ الذي يَعِدُكم وفي بعض ذلك هلاككم، قال: وأما بيت لبيد: فإنه أراد ببعض النفوس: نَفْسَه وحدها.