فهرس الكتاب

الصفحة 1325 من 5028

عَلَى الفَرِيضَةِ الأُولَى.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

فعل عثمان وفى فعلها أنهما تأولا أن القصر رخصةٌ غير واجبة، وأخذا بالأتم والأكمل، ومن تأول أنها اعتقدت أنها أم المؤمنين وعثمان أنه إمامهم، فحيث حلَّا فكأنهما في منازلهما، يردُّه أن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أولى بذلك ولم يتم، وما روى عن عثمان أنه تأهل بمكة [1] يرده سفر النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بزوجاته، وقد قصر، وما روى أنه فعل ذلك لأجل الأعراب وخوفًا أن يظنوا أن فرض الصلاة أبدًا ركعتين [2] ، يرده أيضًا صلاةُ النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم ركعتين وهو القدوة للأعراب وغيرهم، وأمر الصلاة حينئذ أشهر من أن يخفى عددها، وقد كان في زمن النبى - عليه السلام - الأعراب، وما روى أن عثمان أزمع على المقام بمكة بعد الحج [3] يرده تحريم المقام للمهاجر بمكة أكثر من ثلاث [4] ، وقيل: بل كان لعثمان بمنى أرض ومال، فرأى أنه كالمقيم، وذكر في إتمام عائشة أيضًا أنها كانت لا ترى القصر في السفر إلا في الخوف، والتأويل الآخر في سفر عائشة [5] أبعد فهى أتقى لله أن تخرج في سفر لا يرضاه، وإنما خرجت مجتهدة [فى سفرها] [6] محتسبة في خروجها للدين، أصابت أو أخطأت، وأولى ما يتأول في ذلك ما قدَّمناه [7] .

وقد ذكر الطحاوى وابن عبد البر وغيرهم عن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قصر وأتم [8] ، وروى

(1) ذكره الأثرم عن أحمد بن حنبل. انظر: التمهيد 11/ 169، وساقه البيهقى في المعرفة وقال عقبه: منقطع، وفيه عكرمة بن إبراهيم ضعيف. المعرفة 4/ 263.

(2) وذلك فيما نقله ابن عبد البر عن ابن جريج في قوله: وبلغنى أنه إنما أوفاها عثمان أربعًا بمنى فقط من أجل أن أعرابيًا ناداه في مسجد الخيف بمنى فقال: يا أمير المؤمنين، ما زلت أصليهما ركعتين منذ رأيتك عام الأول، فحشى عثمان أن يظن جُهَّال الناس أنما الصلاة ركعتان. قال ابن جريج: وإنما أوفاها بمنى. السابق 2/ 518.

(3) وذلك فيما أخرجه عبد الرزاق بسنده إلى ابن عمر قال: صليت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنى ركعتين، ومع أبى بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من خلافته ثم صلاها أربعًا. قال الزهرى: فبلغنى أن عثمان إنما صلاها أربعًا؛ لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج. المصنف لعبد الرزاق 2/ 516، وانظر: معرفة السنن والآثار 4/ 262.

(4) البخارى في صحيحه عن العلاء الحضرمى قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ثلاثٌ للمهاجر بعد الصدر"، ك مناقب الأنصار، ب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه 5/ 87، وأحمد في المسند 5/ 52.

(5) لعله يعنى خروجها - رضى الله عنها - في واقعة الجمل.

(6) من هامش ت.

(7) قال ابن عبد البر: وأحسن ما قيل في قصر عائشة وإتمامها أنها أخذت برخصة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتُرى الناس أن الإتمام ليس فيه حرج وإن كان غيره أفضل،"فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحبُّ أن تؤتى عزائمه"، ولعلها كانت تذهب إلى أن القصر في السفر رخصةٌ وإباحة، وأن الإتمام أفضل، فكانت تفعل ذلك، وهى التى روت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لم يُخيَّر بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فلعلها ذهبت إلى أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يختر القصر في أسفاره إلا توسعةً على أمته وأخذًا بأيسر أمر الله. التمهيد 11/ 172.

(8) انظر: شرح معانى الآثار 1/ 415، والتمهيد 11/ 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت