قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِى أَوَّلِ النَّاسِ. قَالَ:"وَأَيْضًا"- قَالَ: وَرآنِى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَزِلا - يَعْنِى لَيْسَ مَعَهُ سِلاحٌ - قَالَ: فَأَعْطَانِى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إذَا كَانَ فِى آخِرِ النَّاسِ قَالَ:"أَلا تُبَايِعُنِى يَا سَلَمَةُ؟". قَالَ: قلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رسُولَ اللهِ فِى أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِى أَوْسَطِ النَّاسِ. قَالَ:"وَأَيْضًا". قَالَ فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قَالَ لِى:"يَا سَلَمَةُ، أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِى أَعْطَيْتُكَ؟". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقيَنِى عَمِّى عَامِرٌ عَزِلا. فَأَعْطَيْتُهُ إِيَاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ:"إِنَّكَ كَالَّذِى قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَ أَبْغِنِى حَبِيبًا هُوَ أَحَبُ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِى". ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِى بَعْضِ، وَاصْطَلَحْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، أَسْقِى فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ، وَأَخْدِمُهُ، وآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَتَرَكْتُ أَهْلِىَ وَمَالِى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله:"رآنى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عزلا"، قال القاضى: كذا رويناه هنا، وفسره في الأم: يعنى ليس معه صلاح، بفتح العين وكسر الزاى، وفى الحرف الذى بعده كذلك. قال بعضهم: وصوابه: أعزل، ولا يقال: عزل. ورويناه في غير مسلم:"عُزل بضمها، وكذلك ضبطناه على شيخنا أبى الحسن، وكذا قيده بعضهم، وكذا ذكره الهروى."
قال الإمام: كما يقال: ناقة غلظ، وجمل فنق، والجمع أعزال. كما يقال: جنب وأجناب، وماء سدم ومياه أسدام.
قال القاضى: هذا نص ما ذكره الهروى، وأنشد [...] [1] .
رأيت الفتية الأعزال ... مثل الأنيق الرعد
قال: ورجل أعز مثله. والحجفة: الترس.
وقوله:"أبغنى حبيبا": أى أعطنى بغى طلب. وأبغيته: أتيته ما طلب وأعنته عليه.
وقوله:"ثم إن المشركين راسُّونا الصلح": كذا رويناه بضم السين مشددة على الخشنى عن الطبرى، وسمعناه من أبى بحر من غير طريق العذرى بفتح السين، ورويناه من طريق العذرى:"راسلونا، بزيادة لام بإسقاطه، صحيح بمعناه. يقال: رسى الحديث يرسه: إذا ابتداه، ورسست بين القوم: أصلحت بينهم."
وقوله:"وكنت تبيعًا لطلحة"أى خديمًا له أتبعه.
(1) بياض بالأصل.