3 - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ قَالَ:"الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، والرُّؤْيَا السَّوء مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ لا تَضُرُّهُ، وَلا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ، وَلا يُخْبِرْ إِلا مَنْ يُحِبُّ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل فإنها تقطع بخطئهم، ولا يجوز ما قالوه؛ إذ لا فاعل إلا الله.
ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل في هذا، وكأنه يرى أن صور ما يجرى في الأرض في العالم العلوى كالمنقوش، وكأنه يدور بدوران الآخر [1] ، فما حاذى البعض المنقوش منه انتقش فيها، وهذا أوضح فسادًا من الأول، مع كونه تحكمًا بما لم يقع عليه برهان، والانتقاش من صفات الأجسام، وكثيرًا ما يجرى في العالم الأعراض، والأعراض لا تنتقش ولا يتنقش فيها.
والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة، وأن الله - سبحانه - يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو - تبارك اسمه - يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه - سبحانه - جعلها عَلَمًا على أمور أخر، يخلقها الله في ثانى حال، أو كان قد خلقها.
فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران وليس بطائر فقصارى ما فيه أنه اعتقد أمرًا على خلاف ما هو عليه، [وكم في اليقظة ممن يعتقد أمرًا خلاف ما هو عليه] [2] فيكون ذلك الاعتقاد علمًا على غيره، كما يكون خلق الله - سبحانه - الغيم علمًا على المطر، والجميع خلق الله - سبحانه - ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التى جعلها علمًا على ما يسر [بحضرة أو] [3] بغير حضرة الشيطان، ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان، فينسب إليه مجازًا وأتساعًا. وهذا المعنى بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الرؤيا من الله، الحلم من الشيطان"، لا على أن الشيطان يفعل شيئًا في غيره، وتكون الرؤيا اسمًا لما يحب، والحلم لما يكره.
وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فإنها لن تضره": فقيل: معناه: أن الروع يذهب [هذا التعب] [4] المذكور في الحديث، إذا كان فاعله مصدقًا به، متكلًا على الله جلت قدرته في دفع المكروه عنه.
وقيل: يحتمل أن يريد أن هذا الفعل منه يمنع من نفوذ ما دل عليه المنام من المكروه، ويكون ذلك سببًا فيه، كما تكون الصدقة تدفع البلاء، إلى غير ذلك من النظائر المذكورة عند أهل الشريعة.
(1) فى جميع النسخ: الأكر، وفى إكمال الإكمال: الآخر.
(2) سقط من الأصل، والمثبت من ح.
(3) سقط من ز، والمثبت من ح.
(4) فى ح: بهذا النفث.