مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ مُشْرِكٍ وَبِفَضْلِ وُضُوئِهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ فَقَدْ تَوَضَّأَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَهُ عَنْهُ - مِنْ مَاءٍ فِي جَرَّةٍ نَصْرَانِيَّةٍ".
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ .
الْمُشْرِكُونَ طهارتهم عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ فِي أَبْدَانِهِمْ ، وَثِيَابِهِمْ ، وَأَوَانِيهِمْ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .
وَحَكَى عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ أَنَّهُمْ أَنْجَاسٌ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَا لَقَوْهُ بِأَجْسَادِهِمُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [ التَّوْبَةِ: ] .
فَنَصَّ عَلَى نَجَاسَتِهِمْ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [ الْمَائِدَةِ: ] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ طَعَامَهُمْ مَصْنُوعٌ بِأَيْدِيهِمْ وَمِيَاهِهِمْ وَفِي أَوَانِيهِمْ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} شَرِبَ مَاءً مِنْ مَزَادَةِ وَثَنِيَّةٍ وَرُوِيَ أَنَّ عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ مِنْ جَرِّ نَصْرَانِيَّةٍ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} قَدْ كَانَ يَأْذَنُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي دُخُولِ مَسْجِدِهِ وَرَبَطَ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ حِينَ أَسَرَهُ عَلَى سَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَكَانَ أَوْلَى الْأُمُورِ بِهِ تَطْهِيرُ مَسْجِدِهِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الِاعْتِقَادَ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَنْجِيسِ الْأَعْيَانِ ، وَلَوْ كَانَ بِسُوءِ مُعْتَقَدِهِ يُنَجِّسُ مَا كَانَ طَاهِرًا