فَصْلٌ: وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ ، فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوبَ الْإِحْدَادِ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ ، فَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَالْإِحْدَادُ فِيهَا كَالْكَبِيرَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَيْسَ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَلِأَنَّ الْإِحْدَادَ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ لَا حَقَّ فِيهِ لِلزَّوْجِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ الصَّغِيرَةَ كَالْعِبَادَاتِ .
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} ، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ بِنْتَهَا مَاتَ زَوْجُهَا ، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحُلُهَا ؟ فَقَالَ: لَا وَلَمْ يَسْأَلْهَا عَنْ صِغَرِهَا وَكِبَرِهَا فَدَلَّ عَلَى اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ: وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ وَجَبَ أَنْ تُؤْخَذَ بِأَحْكَامِ تِلْكَ الْعِدَّةِ كَالْكَبِيرَةِ .
فَأَمَّا رَفْعُ الْقَلَمِ عَنْهَا فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَحْكَامِهَا ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِحْدَادِ تَعَبُّدًا مَحْضًا فَهُوَ كَالْعِدَّةِ فِيهِ تَعَبُّدٌ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الزَّوْجِ إِمَّا لِرِعَايَةِ حُرْمَتِهِ ، وَإِمَّا لِصَرْفِ الرِّجَالِ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيهَا فِي عِدَّتِهِ ، وَهَذَانِ مِمَّا لَا يَفْتَرِقُ فِيهِمَا حُكْمُ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .