وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا وَلَدِي ، وَإِنَّ أَبَاهُ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ ، وَإِنَّهُ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ ، وَقَدْ نَفَعَنِي ، فَقَالَ الْأَبُ: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي فَقَالَ النَّبِيُّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} لِلْغُلَامِ:"هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُدْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ".
فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ .
وَحَدِيثُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَوَالِدَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّخْيِيرِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّخْيِيرِ عِنْدَ الْبُلُوغِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي: حَدِيثُ عُمَارَةَ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَمِّهِ ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ ، وَقَالَ لِأَخٍ أَصْغَرَ مِنْهُ: وَهَذَا أَيْضًا لَوْ قَدْ بَلَغَ خَيَّرْتُهُ ، فَعُلِمَ أَنَّ بُلُوغَ هَذَا السِّنِّ حَدٌّ لِزَمَانِ التَّخْيِيرِ .
فَإِنْ قِيلَ: فَحَمْلُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ يُرْضِي الْأَبَوَيْنِ لَمْ يَجُزْ مِنْ وَجْهَيْنِ: الجزء الحادي عشر < 500 > أَحَدُهُمَا: تَنَازُعُ الْأَبَوَيْنِ فِيهِ وَتَرَافُعُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} وَلَيْسَ مَعَ الرِّضَا تَنَازُعٌ .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَبَ أَنْكَرَ عَلَى