فَنَسْخُهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ مُقَرَّرًا: وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُنْسَخُ بِالْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةُ تُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، وَإِنْ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [ الْبَقَرَةِ: 106 ] وَلَيْسَتِ السُّنَّةُ خَيْرًا مِنَ الْقُرْآنِ ، وَلَيْسَ مِثْلَ الْقُرْآنِ إِلَّا الْقُرْآنُ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ نَسْخُ الْقُرْآنِ إِلَّا بِالْقُرْآنِ .
وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا ، هَلْ كَانَ مُجَوَّزًا فِي الْعَقْلِ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ حَتَّى حَظَرَهُ الشَّرْعُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: الجزء الثالث عشر < 189 > أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَدْ كَانَ ذَلِكَ مُجَوَّزًا فِي الْعَقْلِ: لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى الْمَأْمُورِ حُكْمُ الْآمِرِ ، كَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى الْآمِرِ حُكْمُ الْمَأْمُورِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمَأْمُورِ رَافِعًا لِقَوْلِ الْآمِرِ: لِأَنَّ الْآمِرَ مُطَاعٌ وَالْمَأْمُورَ مُطِيعٌ .
فَأَمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَفِيهِ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالتَّجَانُسِ .
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ يَجُوزُ: لِأَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ رَفْعُ الْأَخَفِّ بِالْأَعْلَى ، وَإِنِ امْتَنَعَ رَفْعُ الْأَعْلَى بِالْأَخَفِّ .
فَإِذَا ثَبَتَ مِنْ أَصْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ ، فَفِي نَسْخِ الرَّجْمِ لِإِمْسَاكِهِنَّ