فَصْلٌ: وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْجِزْيَةِ ، فَفِي وُجُوبِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إِذَا اسْتَعَدُّوا إِلَيْنَا أَهْلُ الذِّمَّةِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: الجزء الثالث عشر < 251 > أَحَدُهَا: لَا يَلْزَمُ ، وَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمْ فِي الْحُكْمِ ، وَهُمْ مُخَيَّرُونَ فِي الْتِزَامِ حُكْمِهِ كَأَهْلِ الْعَهْدِ: لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [ الْمَائِدَةِ: 42 ] ، وَقَالَ تَعَالَى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [ الْمَائِدَةِ: 49 ] وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ .
وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ أَوْ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَعَلَى هَذَا إِنِ اسْتَعْدَوُا الْحَاكِمَ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُعْدِيَ الْمُسْتَعْدِيَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُعْدِيَهُ ، وَإِذَا أَعْدَاهُ كَانَ الْمُسْتَعْدِي عَلَيْهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْحُضُورِ وَالِامْتِنَاعِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَنَا ، فَيَلْزَمُ الْحَاكِمُ أَنْ يُعْدِيَهُمْ وَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، وَيُلْزِمَهُمُ الْحُضُورَ إِلَيْهِ وَالْتِزَامَ حُكْمِهِ ، فَإِنْ تَرَاضَوْا بِالْمُحَاكَمَةِ إِلَيْهِ تَوَجَّهَ لُزُومُ الْحُكْمِ إِلَيْهِمْ دُونَهُ ، فَيَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ حَكَمَ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْتِزَامُ حُكْمِهِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَيُعْدِيَ الْمُسْتَعْدِي مِنْهُمْ وَيُخَيِّرَ الْمُسْتَعْدِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْحُضُورِ ، وَيُلْزِمَهُ الْحُكْمَ جَبْرًا ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حُقُوقِ