فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ فِي الْخَمْرِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَيِّهِمَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ في الخمر بأي آية في القرآن ؟ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ بِالْآيَةِ الْأُولَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [ الْبَقَرَةِ: 219 ] وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: كَثِيرٌ .
لِأَنَّهُ مَا كَثُرَ إِثْمُهُ لَمْ يَجُزِ اسْتِبَاحَتُهُ ، فَوَقَعَ بِهَا التَّحْرِيمُ ، وَكَانَ مَا بَعْدَهَا مُؤَكِّدًا .
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ اسْتَقَرَّ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ لِمَا فِيهَا مِنْ صَرِيحِ التَّحْرِيمِ ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ .
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ اسْتَقَرَّ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ إِلَى قَوْلِهِ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ .
رَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي الْقَمُوصِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَأَوَّلُ مَا أَنْزَلَ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [ الْبَقَرَةِ: 219 ] فَشَرِبَهَا قَوْمٌ ،