النَّبِيذَ الشَّدِيدَ ، يَقْطَعُهُ فِي بُطُونِنَا أَنْ يُؤْذِيَنَا .
وَهَذَا فِعْلٌ مُنْتَشِرٌ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَكْرَانَ فَجَلَدَهُ ، فَقَالَ: إِنَّمَا شَرِبْتُ مِنْ إِدَوَاتِكَ .
فَقَالَ: إِنَّمَا أَضْرِبُكَ عَلَى السُّكْرِ مِنْهَا ، وَلَا أَضْرِبُكَ عَلَى الشُّرْبِ .
فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ السُّكْرِ دُونَ الشُّرْبِ .
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَضَافَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ، وَسَقَاهُ نَبِيذًا ، فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ وَأَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ دَفَعَهُ إِلَى خَادِمِهِ قَنْبَرٍ ، وَمَعَهُ مِزْهَرٌ لِيَهْدِيَهُ إِلَى بَيْتِهِ ، وَالْمِزْهَرُ: السِّرَاجُ ، وَقَالَ لَهُ: اهْدِهِ .
يَعْنِي إِلَى مَنْزِلِهِ لِسُكْرِهِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ جَمَاعَةٍ يَجْلِسُونَ عَلَى شَرَابٍ إِلَّا وَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ وَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ .
يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى مَا لَا يُسْكِرُ حَتَّى يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى مَا يُسْكِرُ .
الجزء الثالث عشر < 390 > وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَرِبَ أَحَدُكُمْ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ فَلَمْ يَسْكَرْ فَهُوَ حَلَالٌ ، وَإِنْ شَرِبَ الْعَاشِرَ فَسَكِرَ فَهُوَ حَرَامٌ .
فَهَذَا مَا عَاضَدَ السُّنَّةَ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ كَثِيرًا .
فَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْمَعَانِي فَمِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا: أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ: لِأَمْرَيْنِ لُغَةً وَشَرْعًا: أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ بِاسْمٍ يَنْتَفِي عَنِ