يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مَقْهُورًا فَقَدْ مَضَى حُكْمُهُ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِنْ لَمْ يَتُبْ .
وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَةً قَاهِرِينَ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُبْدَأَ بِقِتَالِهِمْ قَبْلَ قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [ التَّوْبَةِ: 123 ] فَكَانَ مَنْ عَدَلَ عَنْ دِينِنَا أَقْرَبَ إِلَيْنَا ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى الِابْتِدَاءِ بِقِتَالِهِمْ حِينَ ارْتَدُّوا بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} مَنِ ارْتَدَّ ، وَكَانَ قَدْ جَهَّزَ جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَى الرُّومِ فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ: لَوْ صَرَفْتَ الْجَيْشَ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ .
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوِ انْثَالَتِ الْمَدِينَةُ سِبَاعًا عَلَيَّ مَا رَدَدْتُ جَيْشًا جَهَّزَهُ رَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} .
فَدَلَّ احْتِجَاجُ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُمْ: لِأَنَّ رَسُولَ الجزء الثالث عشر < 443 > اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} جَهَّزَهُمْ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ أَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْمُرْتَدِّينَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ عَنِ الْإِسْلَامِ أَغْلَظُ مِنَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ: لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ ، وَإِنْ أُقِرَّ الْكَافِرُ عَلَى كُفْرِهِ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِتَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِ الدِّينِ الَّذِي ارْتَدَّ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَافِرِ إِقْرَارٌ بِبُطْلَانِهِ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُفْسِدُ قُلُوبَ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُقَوِّي نُفُوسَ الْمُشْرِكِينَ ، فَوَجَبَ لِغِلَظِ حَالِهِ