قُرَيْشًا بَعْدَ الْقِلَّةِ ، وَأَعَزَّهُمْ بَعْدَ الذِّلَّةِ ، وَجَعَلَهُمْ دَيَّانِينَ الْعَرَبِ ، وَوُلَاةَ الْحَرَمِ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ هَجَسَ فِي نَفْسِهِ لِظُهُورِ النُّبُوَّةِ مِنْهُمْ"كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ"فَكَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ ، وَهُوَ سَمَّاهُ لِجَمْعِ النَّاسِ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَكَانَ يُسَمَّى: عُرُوبَةَ .
وَكَانَ يَخْطُبُ فِيهِ عَلَى قُرَيْشٍ ، وَيَقُولُ بَعْدَ خُطْبَتِهِ: حَرَمُكُمْ عَظِّمُوهُ ، وَتَمَسَّكُوا بِهِ ، فَسَيَأْتِي لَهُ بِنَاءٌ عَظِيمٌ ، وَسَيَخْرُجُ بِهِ نَبِيٌّ كَرِيمٌ ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِيهِ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ ، وَيَدٍ وَرِجْلٍ ، لَتَنَصَّبْتُ تَنَصُّبَ الْجَمَلِ ، وَلَأَرْقَلْتُ إِرْقَالَ الْفَحْلِ ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ إِذَا قُرَيْشٌ تُبَقِّي الْحَقَّ خِذْلَانَا وَهَذَا مِنْ فِطَرِ الْإِلْهَامِ ، وَمَخَائِلِ الْعُقُولِ .
ثُمَّ انْتَقَلَتِ الرِّئَاسَةُ بَعْدَهُ إِلَى"قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ"فَجَدَّدَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَاهَا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْمَاعِيلَ ، وَبَنَى دَارَ النَّدْوَةِ لِلتَّحَاكُمِ ، وَالتَّشَاجُرِ ، وَالتَّشَاوُرِ ، وَعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ ، وَهِيَ أَوَّلُ دَارٍ بُنِيَتْ بِمَكَّةَ ، وَكَانُوا يُخَيِّمُونَ فِي جِبَالِهَا ثُمَّ بَنَى الْقَوْمُ دُورَهُمْ بِهَا ، الجزء الرابع عشر < 4 > فَزَادَتِ الرِّئَاسَةُ ، وَقَوِيَ تَأْسِيسُ النُّبُوَّةِ ، ثُمَّ أُمِّرَتْ قُرَيْشٌ وَكَثُرَتْ حَتَّى قَصَدَهُمْ صَاحِبُ الْفِيلِ ؛ لِهَتْكِ الْحَرَمِ ، وَهَدْمِ الْكَعْبَةِ ، وَسَبْيِ قُرَيْشٍ ، فَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَلْقَةِ الْبَابِ وَقَالَ: يَا رَبِّ لَا نَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ