اللَّهُ -: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ إِذْ أَعْطَى جَرِيرًا عِوَضًا مِنْ سَهْمِهِ ، وَالْمَرْأَةَ عِوَضًا مِنْ سَهْمِ أَبِيهَا عَلَى أَنَّهُ اسْتَطَابَ أَنْفُسَ الَّذِينَ أَوْجَفُوا عَلَيْهِ فَتَرَكُوا حُقُوقَهُمْ مِنْهُ فَجَعَلَهُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ سَبَى النَّبِيُّ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - هَوَازِنَ وَقَسَّمَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ بَيْنَ الْمُوجِفِينَ ، ثُمَّ جَاءَتْهُ وُفُودُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمُ ، وَأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ فَخَيَّرَهُمُ النَّبِيُّ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالسَّبْيِ ، فَقَالُوا: خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وَأَمْوَالِنَا فَنَخْتَارُ أَحْسَابَنَا ، فَتَرَكَ النَّبِيُّ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - حَقَّهُ وَحَقَّ أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ فَتَرَكُوا لَهُ حُقُوقَهُمْ ، وَسَمِعَ بِذَلِكَ الْأَنْصَارُ فَتَرَكُوا لَهُ حُقُوقَهُمْ ، ثُمَّ بَقِيَ قَوْمٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَأَمَرَ فَعَرَّفَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدًا ، ثُمَّ قَالَ ائْتُونِي بِطِيبِ أَنْفُسِ مَنْ بَقِيَ ، فَمَنْ كَرِهَ فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْإِبِلِ إِلَى وَقْتٍ ذَكَرَهُ ، قَالَ: فَجَاءُوهُ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ إِلَّا الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ: فَإِنَّهُمَا أَتَيَا لِيُعِيرَا هَوَازِنَ فَلَمْ يُكْرِهْهُمَا - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَانَا هُمَا تَرَكَا بَعْدُ بِأَنْ خَدَعَ عُيَيْنَةُ عَنْ حَقِّهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَقَّ مَنْ طَابَ نَفْسًا عَنْ حَقِّهِ .
قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى الجزء الرابع عشر < 256 >