276 > قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْبَابُ أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَلَيْسَ مِنَ الْفِقْهِ ، لِيُوَضِّحَ بِهِ صِدْقَ اللَّهِ تَعَالَى فِي وَعْدِهِ ، وَصِدْقَ رَسُولِهِ فِي خَبَرِهِ ، لِيَرُدَّ بِهِ عَلَى مَنِ ارْتَابَ بِهِمَا ، فَصَارَ تَالِيًا لِلسِّيَرِ .
فَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، [ التَّوْبَةِ: 33 ] .
أَمَّا قَوْلُهُ: بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ تفسيرها فَفِيهِ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْهُدَى هُوَ دِينُ الْحَقِّ ، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِتَغَايُرِ لَفْظَيْهِمَا ، لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَفْسِيرًا لِلْآخَرِ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى إِلَى دِينِ الْحَقِّ: لِأَنَّ الرَّسُولَ هَادٍ ، وَالْقُرْآنَ هِدَايَةٌ ، وَالْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ دِينُ الْحَقِّ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْهُدَى هُوَ الدَّلِيلُ ، وَدِينَ الْحَقِّ هُوَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التَّوْبَةِ: 33 ] .
فَقَدْ دَفَعَهُ الْمُتَشَكِّكُونَ فِي أَدْيَانِهِمْ ، وَقَالُوا: قَدْ بَقِيَتْ أَطْرَافُ الْأَرْضِ مِنَ الرُّومِ ، وَالتُّرْكِ ، وَالْهِنْدِ ، وَالزِّنْجِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْقَاصِيَةِ ، مَا أَظْهَرَ دِينَهُ عَلَى أَدْيَانِهِمْ ، فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْمَوْعِدُ .
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْقَدْحِ: أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ إِلَى مَاذَا تَعُودُ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: