فهرس الكتاب
الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَانَ لَهُ تِسْعُ أَوْلَادٍ ، فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَدَّمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَصَلَّى تَرْوِيحَةً ، فَصَارَتْ سُنَّةً ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ تِسْعَ قَبَائِلَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ سَارَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ ، وَاقْتَتَلُوا ، فَقَدَّمَ كُلُّ قَبِيلَةٍ رَجُلًا ، فَصَلَّى بِهِمْ تَرْوِيحَةً ، ثُمَّ صَارَتْ سُنَّةً ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ:"وَقِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ"فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ فَفِي النَّوَافِلِ الَّتِي تُفْعَلُ فُرَادَى مَا هُوَ أَوْكَدُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ الْوِتْرُ ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي انْفِرَادِهِ تَعْطِيلُ الْجَمَاعَةِ ، فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِرِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} قَالَ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ .
فَأَمَّا إِنْ تَعَطَّلَتِ الْجَمَاعَةُ بِانْفِرَادِهِ ، فَصَلَاتُهُ جَمَاعَةً أَفْضَلُ لِمَا فِي تَعْطِيلِهَا مِنْ إِطْفَاءِ نُورِ الْمَسَاجِدِ ، وَتَرْكِ السُّنَّةِ الْمَأْثُورَةِ .
مستوى الْقَوْلُ فِي قُنُوتِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ