فهرس الكتاب
فَصْلٌ: فَإِذَا أُحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُ ، كَيْفَمَا سَاغَهُ طَبْخًا وَقَلْيًا ، وَشَيًّا ، وَنِيئًا ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ بِالْأَكْلِ بَعْدَ إِمْسَاكِ الرَّمَقِ إِلَى أَبَدٍ يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ ، فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى إِمْسَاكِ الرَّمَقِ ، وَمَا بَعْدَهُ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ حَرَامٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَأْكُلُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الشِّبَعِ ، وَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا زَادَ عَلَى حَدِّ الشِّبَعِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ .
وَدَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي تَحْرِيمِ الشِّبَعِ لآكل الميتة مضطرا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: الجزء الخامس عشر < 169 > وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [ الْأَنْعَامِ: 119 ] وَالضَّرُورَةُ تَزُولُ بِإِمْسَاكِ الرَّمَقِ ، فَدَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَيْهِ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَمَاسِكَ الرَّمَقِ قَبْلَ أَكْلِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ .
إِذَا صَارَ بِهَا مُتَمَاسِكَ الرَّمَقِ وَجَبَ أَنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَيْهَا فِي الْحَالَيْنِ: وَلِأَنَّ ارْتِفَاعَ الضَّرُورَةِ مُوجِبٌ لِارْتِفَاعِ حُكْمِهَا ، كَمَا أَنَّ حُدُوثَ الضَّرُورَةِ مُوجِبٌ لِحُدُوثِ حُكْمِهَا .
وَلَوْ جَازَ أَنْ تَرْتَفِعَ الضَّرُورَةُ ، وَلَا يَرْتَفِعَ حُكْمُهَا لَجَازَ أَنْ تَحْدُثَ ، وَلَا يَحْدُثَ حُكْمُهَا .
دَلِيلُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ