فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُضَارَّةُ فَيَسْقُطُ بِهَا فَرْضُ الشَّهَادَةِ إِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ ، وَتَتَغَلَّظُ بِهَا فَرْضُ الشَّهَادَةِ إِذَا كَانَتْ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ ، قَالَ تَعَالَى: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ [ الْبَقَرَةِ: ] ، وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يَكْتُبَ الْكَاتِبُ مَا لَمْ يُمْلَ عَلَيْهِ ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ بِمَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ ، وَقَتَادَةَ .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يَمْتَنِعَ الْكَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَيَمْتَنِعَ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يُدْعَى الْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ وَهُمَا مَشْغُولَانِ مَعْذُورَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَالضِّحَاكِ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالرَّبِيعِ .
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا رَابِعًا: أَنْ تَكُونَ الْمُضَارَّةَ أَنْ يُدْعَى الْكَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ بِالْبَاطِلِ ، وَيُدْعَى الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ بِالزُّورِ فَهَذَا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ .
فَإِنْ كَانَتِ الْمُضَارَّةُ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِجَابَةِ مَأْثَمٌ ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْحَقِّ .
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْقِصَهُ مِنَ الْحَقِّ ، فَلَا يَسَعُ الطَّالِبُ أَنْ يَسْأَلَ وَلَا يَسَعُ الشَّاهِدُ أَنْ يُجِيبَ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آثِمٌ إِنْ فَعَلَ .
الجزء السابع عشر < 55 > وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا