قَبْلَ إِحْلَافِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [ آلِ عِمْرَانَ: ] .
وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} :"مَنْ حَلَفَ يَمِينًا كَاذِبَةً ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".
وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ إِلَى الْحَاكِمِ ، فَهَمَّ بِالْيَمِينِ ، فَلَمَّا وَعَظَهُ بِهَذَا امْتَنَعَ وَأَقَرَّ ، وَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْحَالِفَ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ .
فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِحْلَافِهِ بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ ، كَقَوْلِهِ: وَعِزَّةِ اللَّهِ ، وَعَظَمَةِ اللَّهِ ، جَازَ .
قَدِ اقْتَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} فِي إِحْلَافِ رُكَانَةَ عَلَى أَنْ أَحْلَفَهُ بِاللَّهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْمَائِهِ ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ ، وَقِيلَ: فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مَرْيَمَ: ] .
أَيْ: مَنْ يَتَسَمَّى بِاللَّهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَإِنْ تَسَمُّوا بِغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ .
وَشَذَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ إِحْلَافُهُ بِاللَّهِ ، حَتَّى يُغَلِّظَهَا بِمَا وَصَفْنَا ، لِيَخْرُجَ بِهَا عَنْ عَادَتِهِ ، وَيُعِيدَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مُغَلَّظَةً .
فَأَمَّا إِحْلَافُهُ بِالْمُصْحَفِ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَدْ حَكَى الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَحْلِفُ عَلَى الْمُصْحَفِ ، قَالَ: وَرَأَيْتُ مُطَرِّفًا بِضْعًا يَحْلِفُ عَلَى الْمُصْحَفِ .
الجزء السابع عشر < 128 > قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ ،