يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، [ التَّوْبَةِ: ] ، وَالْكَنْزُ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا أَوْ ظَاهِرًا ، وَمَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ ، سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُونًا أَوْ ظَاهِرًا هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ دَاوُدَ الْأَصْبَهَانِيُّ ، فَأَمَّا ابْنُ دَاوُدَ فَقَالَ: الْكَنْزُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَالُ الْمَدْفُونُ ، سَوَاءٌ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ أَمْ لَا ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ .
وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: الْكَنْزُ الْمُحَرَّمُ بِالْآيَةِ ، هُوَ مَا لَمْ يُنْفَقْ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فِي الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ ، وَكِلَا التَّأْوِيلَيْنِ غَلَطٌ ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَشْهَدُ لَهُ وَالسُّنَّةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ يُعَضِّدُهُ ، فَأَمَّا مَا يَشْهَدُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، [ التَّوْبَةِ: ] ، إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ، [ التَّوْبَةِ: ] ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَعِيدُ وَارِدًا فِي حِرْزِ الْأَمْوَالِ وَدَفْنِهَا ، كَمَا قَالَ ابْنُ دَاوُدَ لِإِبَاحَتِهِ ذَلِكَ ، وَلَا فِي إِنْفَاقِهَا فِي الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ ، وَلَيْسَ فِي الْأَمْوَالِ حَقٌّ يَجِبُ أَدَاؤُهُ إِلَّا الزَّكَاةَ فَعُلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ .