فَقَالَ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} إِمَّا عَلَى طَرِيقِ الزَّجْرِ لَهُمْ ، أَوِ التَّطْيِيبِ لِنُفُوسِهِمْ مَا قَالَهُ بِمَعْنَى إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ أَوْ تَتَوَقَّفُونَ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ الَّذِي قَدْ مَنَعَنِي مِنَ التَّحَلُّلِ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً حَتَّى أَكُونَ مِثْلَكُمْ ، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَمْنَعُهُ سَوْقُ الْهَدْيِ مِنَ التَّحَلُّلِ بِالْعُمْرَةِ وَهَذَا غَيْرُ مَانِعٍ ، بَلْ نَحْرُ الْهَدَايَا إِذَا وَصَلَتْ إِلَى الْحَرَمِ جَائِزٌ قِيلَ لَهُ: فِيهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ حَجِّهِمْ إِلَى الْعُمْرَةِ شَقَّ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ سَاقَ هَدْيًا إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَجَعَلَ سَوْقَ الْهَدْيِ عَلَمًا فِي جَوَازِ الْبَقَاءِ عَلَى الْحَجِّ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ سَوْقَ هَدْيِهِ إِلَى مَحَلِّهِ بِالْحَجِّ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْحَرُهَا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ ، فَلِذَلِكَ مَا امْتَنَعَ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ إِنْ نَحَرَ هَدْيَهُ بِمَكَّةَ عِنْدَ إِحْلَالِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَصِيرَ الْمَوْضِعُ سُنَّةً لِنَحْرِ الْهَدْيِ ، وَمَعْدِنًا لِلْأَنْجَاسِ فَيَضِيقُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَيَسْتَضِرُّوا فَإِنْ نَحَرَ هَدْيَهُ إِلَى إِحْلَالِهِ بِحَجِّهِ مِنْ مِنًى ، وَأَيُّ هَذِهِ الْمَعَانِي كَانَ فَقَدْ زَالَ الْيَوْمَ حُكْمُهُ .