فهرس الكتاب
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ السَّعْيِ فَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ أي السعي أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الطَّوَافُ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ لَيْسَ يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} لَمْ يَسْعَ قَطُّ إِلَّا عَقِيبَ طَوَافٍ ، وَقَدْ طَافَ وَلَمْ يَسْعَ بَعْدَهُ ، وَلَوْ جَازَ السَّعْيُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً ؛ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ نُسُكٌ لَا يَقَعُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَجَازَ فِعْلُهُ مُتَفَرِّدًا ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْ يُفْعَلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَنْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا فِي حَاجَةٍ عَارِضَةٍ أَوْ أَمْرٍ سَانِحٍ ، فَافْتَقَرَ إِلَى طَوَافٍ يَتَقَدَّمُهُ ؛ لِيَمْتَازَ عَمَّا لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَيَكُونَ خَالِصًا ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ تَقَدُّمَ الطَّوَافِ عَلَيْهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ التَّرَاخِي بين الطواف والسعي بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ ، أَنَّ التَّرَاخِيَ بَيْنَهُمَا يَجُوزُ ، فَإِنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِهِ بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَجْزَأَ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُكْنٌ ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا تَجِبُ كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ التَّرَاخِيَ الْبَعِيدَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ ، وَأَنَّ فِعْلَ السَّعْيِ عَلَى الْفَوْرِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ ، وَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا لَمْ يُجْزِهِ: لِأَنَّ السَّعْيَ لَمَّا افْتَقَرَ إِلَى تَقَدُّمِ