فهرس الكتاب
يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ وَذَلِكَ كِنَايَةٌ تَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَلَيْسَ يَخْلُو أَنْ تَرْجِعَ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَوْ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِ مِنْهُ .
فَإِنْ رَجَعَتْ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ كَانَتْ رَاجِعَةً إِلَى الْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ ، وَإِنْ رَجَعَتْ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِ كَانَتْ رَاجِعَةً إِلَى النَّعَمِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْكِنَايَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ لَيْسَتْ رَاجِعَةً إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَلَا إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِ الجزء الرابع < 288 > مِنْهُ ، وَإِنَّمَا تَرْجِعُ إِلَى أَبْعَدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْمِثْلُ دُونَ النَّعَمِ: لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ ذَوَيْ عَدْلٍ إِنَّمَا يَحْكُمَانِ بِالْقِيمَةِ دُونَ النَّعَمِ .
وَعِنْدَنَا أَنَّهُمَا يَحْكُمَانِ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ ، وَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى بِالظَّاهِرِ وَأَحَقُّ بِالتِّبْيَانِ .
وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ: أَصِيدٌ هُوَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قِيلَ: أَيُؤْكَلُ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قِيلَ: فِيهِ كَبْشٌ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، وَقِيلَ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} قَالَ: نَعَمْ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} أَنَّهُ قَالَ:"الضَّبُعُ صَيْدٌ يُؤْكَلُ ، وَفِيهِ كَبْشٌ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ اسْتِدْلَالٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النبِيَّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} أَوْجَبَ مِنَ الضَّبُعِ كَبْشًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَلَا يُوجِبُ"