الْمَرَضِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ فِي أَثْنَاءِ الْآيَةِ: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَمَنَعَ تَوْجِيهَ الْخِطَابِ إِلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ ، وَهَذَا فِي الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ ، وَلِأَنَّ الْمُحْصَرَ بِالْمَرَضِ يَجُوزُ أَنْ يَحْلِقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ .
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ فِيهَا: فَإِذَا أَمِنْتُمْ [ الْبَقَرَةِ: ] ، وَالْأَمْنُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ خَوْفٍ ، فَأَمَّا عَنْ مَرَضٍ فَإِنَّمَا يُقَالُ: بُرْءٌ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا إِحْصَارُ الْعَدُوِّ دُونَ الْمَرَضِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ .
قُلْنَا: مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَضْمَرْتُمْ فِي الْخَبَرِ شَرْطًا غَيْرَ مَذْكُورٍ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ قِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارٍ فِي الْخَبَرِ: لِأَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ بِنَفْسِ الْكَسْرِ وَالْعَرَجِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ ، بِعِلَّةِ أَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنِ الْبَيْتِ فَغَيْرُ سَلِيمٍ: لِأَنَّ الْمَرِيضَ غَيْرُ مَصْدُودٍ عَنِ الْبَيْتِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الْمَشَقَّةَ لِمَوْصِلٍ إِلَيْهِ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ ، أَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ التَّخَلُّصَ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ فِيهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَرِيضُ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْجِهَادِ ، فَالْجِهَادُ قِتَالٌ ، وَالْمَرِيضُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ، وَالْحَجُّ سَيْرٌ ، وَالْمَرِيضُ يُمْكِنُهُ السَّيْرُ إِذَا كَانَ رَاكِبًا ، فَلَمْ