فهرس الكتاب
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ ، كَالْمَرِيضِ .
وَالثَّانِي: لَهُ التَّحَلُّلُ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ بَعْضِ الْأَذَى ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ التَّخَلُّصَ مِنْ جَمِيعِهِ ، وَهُوَ الْعَدُوُّ الَّذِي فِي وَجْهِهِ: لِأَنَّهُ بِالْإِحْلَالِ وَالْعَوْدِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى لِقَائِهِ .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ كَانَ فَاسِدًا: لِأَنَّهَا نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} وَالصَّحَابَةُ مُحَاصَرُونَ بِالْعَدُوِّ .
فَإِنْ قَالُوا: اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِحْصَارِ الْمَرَضِ: لِأَنَّهُ يُقَالُ: أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ ، وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ .
قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِحْصَارَ بِالْعَدُوِّ مُرَادٌ ، وَإِذَا كَانَ مُرَادًا كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ مَجَازًا ، وَاللَّفْظَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْمَجَازُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْحَقِيقَةُ أَيْضًا حَتَّى تَصِيرَ مُسْتَعْمَلَةً فِيهِمَا جَمِيعًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِمَا حَقِيقَةً ، وَعُمُومَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهَا .
الجزء الرابع < 359 > قِيلَ: ظَاهِرُ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى الْهَدْيِ ، فَأَمَّا التَّحَلُّلُ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُضْمَرٌ فِيهِ ، فَلَا يُدَّعَى فِيهِ الْعُمُومُ ، وَالْإِضْمَارُ لَا يُوصَلُ إِلَى تَعْيِينِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْعُمُومُ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا ، لَكَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْإِحْصَارَ بِالْعَدُوِّ دُونَ