يَجُزْ أَنْ يَلْزَمَ بِهِ الْعَقْدُ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مُؤَثِّرًا فِي فَسْخِ الْعَقْدِ وَفِي إِلْزَامِهِمَا مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ: وَلِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا لَزِمَ بِتَرَاضِيهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرِ الْبَيْعَ ، فَيَخْتَارُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْزَمَ بِتَرَاضِيهِمَا حَالَ الْعَقْدَ ، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ ، إِنَّمَا هُوَ رِضًا مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا عِنْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مُكْرَهَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ .
فَصْلٌ: وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ: ثُبُوتُ السُّنَّةِ بِهِ مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ: فَأَحَدُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ وَارِدٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ .
وَالثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ .
فَأَمَّا نَافِعٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - قَالَ:"الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا".
وَالثَّانِي: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - قَالَ:"إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ الْبَيْعَ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ"