يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْأَعْمَى لَا يَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ السَّلَمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا قَدْ عَرَفَ الْأَلْوَانَ ثُمَّ عَمِيَ .
فَأَمَّا الْأَكْمَهُ الَّذِي خُلِقَ أَعْمَى ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ السَّلَمُ لِجَهْلِهِ بِالْأَلْوَانِ .
وَخَرَّجَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحْمِلُ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ .
وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى مَنْ عَقَدَ السَّلَمَ فِي عَقْدِ السَّلَمِ بَيْنَ الْأَعْمَى الَّذِي كَانَ بَصِيرًا ، وَبَيْنَ مَنْ خُلِقَ أَعْمَى لَمْ يُبْصِرْ: لِأَنَّ مِنْ خُلِقَ أَعْمَى وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْأَلْوَانَ فَهُوَ يَعْرِفُ أَحْكَامَهَا ، وَيَعْلَمُ اخْتِلَافَ قِيَمِ الْأَمْتِعَةِ بِاخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا ، وَأَنَّ الْحِنْطَةَ الْبَيْضَاءَ أَجْوَدُ مِنَ الْحِنْطَةِ الجزء الخامس < > السَّمْرَاءِ ، فَصَارَ فِيهَا كَالْبَصِيرِ وَكَالْأَعْمَى الَّذِي كَانَ بَصِيرًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَصِيرَ لَوْ وُصِفَ لَهُ مَتَاعٌ لَمْ يَرَهُ ، وَلَا عَرَفَهُ فِي بَلَدٍ تَبْعُدُ عَنْهُ ، جَازَ أَنْ يُسَلَمَ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الصِّفَاتِ الَّتِي اشْتَمَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إِذَا عَلِمَ تَفَاصِيلَهَا بِاخْتِلَافِهَا ، فَكَذَلِكَ سَلَمُ الْأَعْمَى .
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ يَصِحُّ مِنْهُ فَقَبَضَهُ عِنْدَ حُلُولِهِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْقَبْضَ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِيفَاءِ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْعَقْدِ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالنَّظَرِ ، فَجَرَى مَجْرَى عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى عَيْنٍ لَا تَصِحُّ مِنَ الْأَعْمَى حَتَّى يُوَكِّلَ فِيهِ بَصِيرًا يَعْقِدُ عَنْهُ أَوَّلَهُ .
كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنَ الْأَعْمَى قَبْضُ الْمُسَلَّمِ