أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ ، أَنَّ قَرْضَهُ بَاطِلٌ: لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ بِمِثْلٍ وَلَا صِفَةٍ فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِقْرَارُهُ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ .
فَتَكُونُ الْعِلَّةُ فِيمَا يَصِحُّ قَرْضُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ ، وَمَا لَا يَصِحُّ قَرْضُهُ هُوَ مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ ، أَنَّ قَرْضَهُ جَائِزٌ: لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ ، وَجَعَلُوا الْعِلَّةَ فِيمَا يَجُوزُ قَرْضُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى مُقْتَرِضِهِ بِالْقِيمَةِ وَجْهًا وَاحِدًا .
وَفِي اعْتِبَارِ زَمَانِ مَا ضُمِنَ مِنَ الْقَرْضِ بِالْقِيمَةِ ؛ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قِيمَتَهُ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ قَبْضِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَرْضَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ قِيمَةً مِنْ حِينِ قَبْضٍ إِلَى حِينِ تَصَرُّفٍ .
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْقَرْضَ يُمْلَكُ بِالتَّصَرُّفِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ قَرْضِهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ السَّلَفَ فِيهِ لَا يَجُوزُ .
وَالدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ قَرْضِهِ مَعَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جَوَازِ السَّلَمِ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا وَرَدَّ عَلَيْهِ جَمَلًا رَبَاعِيًّا .
وَلِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ صَحَّ أَنْ تَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا صَحَّ أَنْ تَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ قَرْضًا وَسَلَمًا كَالثِّيَابِ .
وَلِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتَرِضَهُ لِلْمَسَاكِينِ ،