تَمْرٍ .
فَأَخَذَ النَّاقَةَ وَلَمْ يَتَرَبَّصْ ، فَلَمَّا أَخَذَهَا وَتَوَارَى بَيْنَ جُدْرَانِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَتَعْرِفُونَ الرَّجُلَ ؟ فَقَالَ بَعْضُنَا: أَمَّا وَجْهُهُ بِوَجْهِ غَدَّارٍ ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ جَاءَنَا رَجُلٌ ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا حَتَى تَشْبَعُوا ، وَأَنْ تَكْتَالُوا حَتَى تَسْتَوْفُوا ، قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَى شَبِعْنَا ، وَاكْتَلْنَا حَتَّى اسْتَوْفَيْنَا .
فَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ ابْتَاعَ النَّاقَةَ بِثَمَنٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ .
فَدَلَّ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جَوَازُ السَّلَمِ فِي الْأَصْلِ .
وَالثَّانِي: جَوَازُهُ حَالًا .
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عَقْدِ السَّلَمِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَقَوْلِ: بِعْتُكَ هَذَا الدِّينَارَ بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ ، هَلْ يَكُونُ بَيْعًا أَوْ سَلَمًا ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ سَلَمًا بِلَفْظِ الْبَيْعِ: لِأَنَّ السَّلَمَ صِنْفٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ قَبْضِ الدِّينَارِ ، وَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَكُونُ بَيْعًا: لِأَنَّ السَّلَمَ اسْمٌ هُوَ أَخَصُّ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ قَبْضِ الدِّينَارِ ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ .
ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يُجْمَعُ ثَمَنًا وَمُثَمَّنًا ، فَلَمَّا تَنَوَّعَ الثَّمَنُ نَوْعَيْنِ مُعَيَّنًا وَمَوْصُوفًا وَجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ الْمُثَمَّنُ