وَالرُّمْحُ يَأْطُرُ مَنُّهُ تَأَمَّلْ خِفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا يَعْنِي: إِنَّنِي أَنَا هَذَا .
فَصْلٌ: ثُمَّ يَبْدَأُ بِشَرْحِ التَّرْجَمَةِ فَيَقُولُ: أَمَّا قَوْلُهُ"اخْتَصَرْتُ هَذَا"فَحَدُّ الِاخْتِصَارِ هُوَ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ مَعَ اسْتِبْقَاءِ الْمَعْنَى ، وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: هُوَ مَا دَلَّ قَلِيلُهُ عَلَى كَثِيرِهِ ، وَهِيَ اخْتِصَارُ الِاجْتِمَاعَةِ ، كَمَا سُمِّيَتِ الْمُخْتَصَرَةَ لِاجْتِمَاعِ السُّوَرِ فِيهَا ، وَسُمِّيَ خَصْرُ الْإِنْسَانِ لِاجْتِمَاعِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: رَأَتْ رَجُلًا أَمَّا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ فَيَضْحَى وَأَمَّا بِالْعَشِيِّ فَيَخْصُرُ الجزء الأول < 11 > مَعْنَى أَنَّهُ مُجْتَمِعٌ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ .
وَأَمَّا"هَذَا"فَهِيَ كَلِمَةُ إِشَارَةٍ تَجْمَعُ حَرْفًا وَاسْمًا ، فَالْحَرْفُ الْهَاءُ الْمَوْضُوعَةُ لِلتَّنْبِيهِ ، وَالِاسْمُ ذَا وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ حَسُنَ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا ، فَنَقُولُ: هَذَا .
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ اخْتَصَرَ كِتَابَهُ وَهَلَّا بَسَطَهُ ، فَإِنَّ الْمَبْسُوطَ أَقْرَبُ إِلَى الْأَفْهَامِ ، وَأَغْنَى عَنِ الشَّرْحِ .
قِيلَ: إِنَّمَا اخْتَصَرَهُ لِأَنَّ الْمُخْتَصَرَ أَقْرَبُ إِلَى الْحِفْظِ ، وَأَبْسَطُ لِلْقَارِئِ ، وَأَحْسَنُ مَوْقِعًا فِي النُّفُوسِ ، وَلِذَلِكَ تَدَاوَلَ إِعْجَازُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [ الْبَقَرَةِ: ] لِاخْتِصَارِ لَفْظِهِ وَإِجْمَاعِ مَعَانِيهِ وَعَجِبُوا مِنْ وَجِيزِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [ الْحِجْرِ: ] .
وَمِنَ اخْتِصَارِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي [ هُودٍ: ] .
وَقَالُوا: