يَكُنْ حُكْمُهَا عَلَى الشَّثِّ وَالْقَرَظِ مَقْصُودًا ؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِهَا مَوْجُودَةٌ .
وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّبَاغَةَ عُرْفٌ فِي الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عُرْفِهِمْ مَقْصُورًا عَلَى الشَّثِّ وَالْقَرَظِ ، كَمَا قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ لِاخْتِلَافِ عَادَتِهِمْ فِي الْبِلَادِ وَلَا اقْتَصَرُوا فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ التَّجْفِيفِ بِالشَّمْسِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَصَارَ كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ مَدْفُوعَيْنِ بِعُرْفِ الْكَافَّةِ وَمَعْهُودِ الْجَمِيعِ ، فَثَبَتَ بِهَذَا جَوَازُ الدِّبَاغَةِ بِمَا سِوَى الشَّثِّ وَالْقَرَظِ إِذَا حَدَثَ فِي الْجِلْدِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْأَرْبَعَةِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ شَرْطًا في الدباغة فِيهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ شَرْطًا فِيهَا وَيَجْرِي الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى مَذْرُورَاتِ الدِّبَاغَةِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُنْشَقَّةِ ، فَإِذَا دُبِغَ الْجِلْدُ طَهُرَ وَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:"أَوَلَيْسَ فِي الشَّثِّ وَالْقَرَظِ مَا يُذْهِبُ رِجْسَهُ وَنَجَسَهُ"فَجَعَلَ مُجَرَّدَ الشَّثِّ وَالْقَرَظِ مُذْهِبًا لِرِجْسِهِ وَنَجَسِهِ وَلِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَطْهُرُ بِانْقِلَابِهِ ، فَلَيْسَ لِطَهَارَتِهِ إِلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ يَطْهُرُ بِهِ كَالْخَمْرِ إِذَا انْقَلَبَ خَلًّا .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ فِي الدِّبَاغَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا لِرِوَايَةِ مَيْمُونَةَ الجزء الأول < 64 > قَالَتْ: مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ