الجزء الثامن < 309 > بَابُ مَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ .
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ: أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ .
وَالثَّانِي وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ: أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ .
وَالثَّالِثُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنٍ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تَصِحُّ لِوَاحِدٍ مِنْهَا لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا .
وَالرَّابِعُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبَى حَنِيفَةَ: أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: