فَصْلٌ: فَإِذْ تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّنَا لَا يَحْرُمُ النِّكَاحُ ، فَجَاءَتِ الزَّانِيَةُ بِوَلَدٍ مِنْ زِنًا كَانَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ دُونَ الزَّانِي: لِقَوْلِ النَّبِيِّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَإِنَّمَا لَحِقَ بِهَا دُونَهُ: لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُمَا عِيَانًا ، وَمِنَ الْأَبِ ظَنًّا ، فَلَحِقَ بِهَا وَلَدُ الزِّنَا وَالنِّكَاحُ لِمُعَايَنَةِ وَضَعِهِمَا لَهُمَا ، وَلَحِقَ بِالْأَبِ وَلَدُ النِّكَاحِ دُونَ الزِّنَا لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْفِرَاشِ فِي النِّكَاحِ دُونَ الزِّنَا ، وَإِذَا لَمْ يَلْحَقْ وَلَدُ الزِّنَا بِالزَّانِي ، وَكَانَتْ ثَيِّبًا جَازَ لِلزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنْ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي إِبَاحَتِهَا ، وَكُرْهُ اسْتِبَاحَتِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَرِهَ نِكَاحَهَا: لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً مِنْ مَائِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ حَرُمَ عَلَى الزَّانِي نِكَاحُهَا .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مَعْنَى تَحْرِيمِهَا: فَقَالَ مُتَقَدِّمُوهُمْ: لِأَنَّهَا بَنَتُ امْرَأَةٍ قَدْ زَنَا بِهَا ، فَتَعَدَّى تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ إِلَيْهَا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فَرْعًا عَلَى الْخِلَافِ الْمَاضِي .
وَقَالَ مُتَأَخِّرُوهُمْ: بَلْ حِرْصًا: لِأَنَّهَا بِنْتُهُ مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خِلَافًا مُسْتَأْنَفًا ، وَاسْتَدَلُّوا فِيهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [ النِّسَاءِ: 23 ] وَهَذِهِ بِنْتُهُ: لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهَا