اعلم أنّ هذه اللام تقطع ما دخلت عليه ممّا قبلها. وكان حدّها أن تكون أوّل الكلام كما تكون في غير هذا الموضع. وذلك قولك: «قد علمت زيدا منطلقا» . فإذا أدخلت اللام، قلت: «علمت لزيد منطلق» ، فتقطع بها ما بعدها ممّا قبلها، فيصير ابتداء مستأنفا. فكان حدّها في قولك: «إنّ زيدا لمنطلق» ، أن تكون قبل «إنّ» كما تكون في قولك: «لزيد خير منك» . فلمّا كان معناها في التوكيد ووصل القسم معنى «إنّ» لم يجز الجمع بينهما فجعلت اللام في الخبر، وحدّها: أن تكون مقدّمة لأنّ الخبر هو الأوّل في الحقيقة، أو فيه ما يتّصل بالأوّل، فيصير هو وما فيه الأوّل. فلذلك قلت: «إنّ زيدا لمنطلق» لأنّ «المنطلق» هو «زيد» .
وكذلك لو قلت: «إنّ زيدا لفي داره عمرو» ، أو: «لعمرو يضربه» لأنّ الذي عمرو يضربه هو زيد. فهذا عبرة هذا.
ألا ترى أنّك إذا فصلت بين «إنّ» وبين اسمها بشيء، جاز إدخال اللام، فقلت: «إنّ في الدار لزيدا» ، و «إنّ من القوم لأخاك» . فهذا يبيّن لك ما ذكرت.
وذلك قولك: «أشهد أنّ زيدا منطلق» ، و «أعلم أنّ زيدا خير منك» . فإذا أدخلت اللام، قلت: «أشهد إنّ زيدا لخير منك» ، و «أعلم إنّ زيدا لمنطلق» . قال الله عزّ وجلّ:
{وَاللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ} [1] . فلولا اللام، لم يكن إلّا «أنّ» كما تقول: «أعلم زيدا خيرا منك» . فإذا أدخلت اللام، قلت: «أعلم لزيد خير منك» . وقال: {أَفَلََا يَعْلَمُ إِذََا بُعْثِرَ مََا فِي الْقُبُورِ. وَحُصِّلَ مََا فِي الصُّدُورِ. إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} [2] ، فهذا مجاز اللام.
(1) المنافقون: 1.
(2) العاديات: 119.