اعلم أنّ «إيّاك» اسم المكنّى عنه في النصب كما أنّ «أنت» اسمه في الرفع، وهما منفصلان. لا تقول: «إيّاك» إذا قدرت على الكاف في «رأيتك» وأخواتها نحو: «ضربته» ، و «ضربني» . وكذلك «أنت» لا تقع موقع التاء وأخواتها في «ضربت» و «ضربنا» ، و «زيد قام يا فتى» ، فيقع الضمير في النيّة، وقد مضى القول في هذا.
فلمّا كانت «إيّاك» لا تقع إلّا اسما لمنصوب، كانت بدلا من الفعل، دالّة عليه، ولم تقع هذه الهيئة إلّا في الأمر لأنّ الأمر كلّه لا يكون إلّا بفعل. وذلك قولك: «إيّاك والأسد يا فتى» ، وإنّما التأويل: اتّق نفسك والأسد. و «إيّاك» منصوب بالفعل لأنّه و «الأسد» متّقيان. وكذلك: «إيّاك والصّبيّ» ، و «إيّاك ومكروه عبد الله» ، وإن أكّدت، رفعت إن شئت، فقلت: «إيّاك أنت وزيد» لأنّ مع «إيّاك» ضميرا، وهو الضمير الذي في الفعل الذي نصبها.
ألا ترى أنّ معنى «إيّاك» إنّما هو: «احذر» ، و «اتّق» ، ونحو ذلك، وإن شئت قلت:
«إيّاك أنت وزيدا» ، فجعلت «أنت» توكيدا لذلك المضمر، فإن قلت: «إيّاك وزيد» ، فهو قبيح وهو على قبحه جائز كجوازه في «قم وزيد» .
والبيت يستوي فيه الوجهان لأنّه فيه توكيد وهو قوله [من المتقارب] :
[312] فإيّاك أنت وعبد المسيح ... أن تقربا قبلة المسجد
[312] التخريج: البيت لجرير في ملحق ديوانه ص 1027وشرح أبيات سيبويه 1/ 390والكتاب 1/ 278.
المعنى: يحذّر جرير الفرزدق وصديقه الأخطل (أشار إليه بعبد المسيح) من الاقتراب من المساجد.
الإعراب: فإياك: «الفاء» : استئنافية، «إياك» : ضمير نصب منفصل في محلّ نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره (فأحذّر إياك) . أنت: ضمير منفصل في محلّ نصب توكيد للضمير المستتر في (إياك) .
وعبد: «الواو» : حرف عطف، «عبد» : معطوف على المنصوب محلّا (إياك) منصوب بالفتحة. المسيح: