وأمّا الأفعال التي تقع للأمر، فلا تضارع المتمكّن لأنّها لا تقع موقع المضارع، ولا ينعت بها فلذلك سكن آخرها.
فإن قال قائل: هي معربة مجزومة لأنّ معناها الأمر ألا ترى أنّ قولك: «اضرب» بمنزلة قولك: «ليضرب زيد» في الأمر فقوله ذلك يبطل من وجوه:
منها قولك: «صه» ، و «مه» ، و «قدك» في موضع الأمر، وكذلك: «حذار» ، و «نزال» ، ونحوهما، فقد يقع الشيء في معنى الشيء، وليس من جنسه.
ومن الدليل على فساد قوله أنّ هذه الأفعال المضارعة في الإعراب كالأسماء المتمكّنة. والأسماء إذا دخلت عليها العوامل، لم تغيّر أبنيتها، إنّما تحدث فيها الإعراب.
وكذلك هذه الأفعال تلحقها العوامل، فتحدث لها الإعراب بالزوائد التي لحقتها، وهي التاء، والهمزة، والنون، والياء اللواتي في «يفعل» ، و «تفعل» ، و «نفعل» ، و «أفعل» .
فإذا قلت: «افعل» في الأمر، لم تلحقها عاملا، ولم تقررها على لفظها ألا ترى أنّ الجوازم إذا لحقتها، لم تغيّر اللفظ، نحو قولك: «لم يضرب زيد» ، و «إن تذهب أذهب» ، وكذلك: «ليذهب زيد» ، و «لا يذهب عبد الله» . فإنّما يلحقها العامل وحروف المضارعة فيها.
وأنت إذا قلت: «اذهب» ، فليس فيها عامل، ولا فيها شيء من حروف المضارعة.
فإن قال قائل: الإضمار يعمل فيها. قيل: هذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنّ الفعل لا يعمل فيه الإضمار إلّا أن يعوّض من العامل.
والثاني: أنّه لو كان ينجزم بجازم مضمر، لكان حرف المضارعة فيه الذي به يجب الإعراب لأنّ المضمر كالظاهر.
ألا ترى أنّك لو أردت إضمار «لم» وكان هذا ممّا يجوز من قولك: «لم يضرب» .
فحذفت «لم» لبقيت «يضرب» على لفظها ومعها «لم» .
فإن قال قائل: فلم بناه على مقدار المضارعة نحو: «اضرب» ، و «انطلق» ، فقد كسرت كما تقول: «يضرب» و «ينطلق» . وكذلك: «اقتل» كما تقول: «يقتل» ؟
قيل: إنّما لحقت هذه البنية لأنّه لما لم يقع، وكذلك صورة ما لم يقع. فهذا احتجاج مغن، وفيه ما هو أكثر من هذا.