وذلك قولك: «قد علمت أنّ زيدا إذا أتاك أنّه سيكرمك» ، وذلك أنّك قد أردت:
قد علمت أنّ زيدا إذا أتاك سيكرمك، فكررت الثانية توكيدا، ولست تريد بها إلّا ما أردت بالأولى. فمن ذلك قوله عزّ وجلّ: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذََا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرََابًا وَعِظََامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [1] ، فهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية، وقد قيل فيها غير هذا. ونحن ذاكروه في آخر الباب إن شاء الله.
ونظير تكرير «أنّ» هاهنا قوله تبارك وتعالى: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كََافِرُونَ} [2] وقوله عزّ وجلّ: {فَكََانَ عََاقِبَتَهُمََا أَنَّهُمََا فِي النََّارِ خََالِدَيْنِ فِيهََا} [3] . وكذلك قوله عزّ وجلّ: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا} [4] .
ومن هذا الباب عندنا وهو قول أبي عمر الجرميّ: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحََادِدِ اللََّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ} [5] . فالتقدير: والله أعلم فله نار جهنّم، وردّت «أنّ» توكيدا.
وإن كسرها كاسر، جعلها مبتدأة بعد الفاء لأنّ ما بعد فاء المجازاة ابتداء، كقوله عزّ وجلّ:
{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلََاقِيكُمْ} [6] ف «إنّ» في هذا الموضع يجوز أن تكون الأولى التي وقعت بعد الحكاية كرّرت، ويجوز أن تكون وقعت مبتدأة بعد الفاء، كقولك:
«من يأتني فإنّي سأكرمه» .
(1) المؤمنون: 35.
(2) هود: 19.
(3) الحشر: 17.
(4) هود: 108.
(5) التوبة: 63.
(6) الجمعة: 8.