* * * وتقول: «سرّ ما إنّ زيدا يحبّه من هند جاريته» . فوصلت «ما» ، وهي في معنى «الذي» ب «إنّ» ، وما عملت فيه لأنّ «إنّ» إنّما دخلت على الابتداء والخبر، والمعنى كذلك،
وكذلك أخواتها. قال الله عزّ وجلّ: {وَآتَيْنََاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مََا إِنَّ مَفََاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [1] .
وتقول على هذا: «جاءني الذي كأنّ زيدا أخوه» ، و «رأيت الذي ليته عندنا» ، وكذلك كلّ شيء يكون جملة.
* * * تقول: «الذي إن تأته يأتك زيد» ، و «رأيت الذي من يأته يكرمه» .
فإن قلت: «رأيت الذي من يأتيه يكرمه» ، جاز. تجعل «من» في موضع «الذي» .
فكأنّك قلت: «رأيت الذي زيد يكرمه» لأنّ «من» صلتها: «يأتيه» ، وخبرها: «يكرمه» .
فأمّا قول الله عزّ وجلّ: {فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمََا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} [2] فإنّ «من» الأولى في معنى «الذي» ، ولا يكون الفعل بعدها إلّا مرفوعا.
فأمّا الثانية فوجهها الجزم بالجزاء، ولو رفع رافع على معنى «الذي» ، كان جيّدا لأنّ تصييرها على معنى «الذي» لا يخرجها من الجزاء.
ألا ترى أنّك تقول: «الذي يأتيك فله درهم» . فلولا أنّ «الدرهم» يجب بالإتيان، لم يجز دخول الفاء كما لا يجوز: «زيد فله درهم» ، و «عبد الله فمنطلق» . وقال الله عزّ وجلّ:
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهََارِ سِرًّا وَعَلََانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [3] .
فقد علمت أنّ الأجر إنّما وجب بالإنفاق. فإذا قلت: «الذي يأتيك له درهم» ، لم تجعل «الدرهم» له بالإتيان.
فإذا كانت في معنى الجزاء، جاز أن تفرد لها وأنت تريد الجماعة كما يكون «من» و «ما» ، قال الله عزّ وجلّ: {وَالَّذِي جََاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [4] . فهذا لكلّ من فعل، ولذلك قال: {أُولََئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [5] . فهذه أصول، ونرجع إلى المسائل إن شاء الله.
(1) القصص: 76.
(2) محمد: 38.
(3) البقرة: 274.
(4) الزمر: 33.
(5) الزمر: 33.