فأمّا قوله: «أفّة» و «تفّة» فإنّما تقديره من المصادر: «نتنا» ، و «دفرا» ، فإن أفردت «أفّ» بغير هاء فهو مبنيّ لأنّه في موضع المصدر وليس بمصدر، وإنّما قوي حيث عطفت عليه لأنّك أجريته مجرى الأسماء المتمكّنة في العطف. فإذا أفردته، بني على الفتح والكسر والضم، وتنوّنه، إن جعلته نكرة.
وفي كتاب الله عزّ وجلّ: {فَلََا تَقُلْ لَهُمََا أُفٍّ وَلََا تَنْهَرْهُمََا} [1] .
وقال: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمََا تَعْبُدُونَ} [2] كلّ هذا جائز جيّد.
وهذه المبنيّات، إذا جعلت شيئا منها نكرة، نوّنت، نحو: «إيه يا فتى» ، وقال الغراب: «غاق غاق يا فتى» كذا تأويلها.
* * * واعلم أنّ من المصادر التي لا أفعال لها تجري عليها، وإنّما يوضع موضع المصادر ما يكون مثنّى لمبالغة. وذلك قولك: «لبّيك» و «سعديك» ، و «حنانيك» ، إنّما أراد: حنانا بعد حنان، أي: كلّما كنت في رحمة منك فلتكن موصولة بأخرى. وتأويل: «حنانيك» : إنّما هو رحمة بعد رحمة. يقال: «تحنّن فلان على فلان» : إذا رحمه. قال الشاعر [من المتقارب] :
[320] تحنّن عليّ هداك المليك ... فإنّ لكلّ مقام مقالا
والشاهد فيه: رفع (ترب) على الابتداء، وخبره الجار والمجرور مع ما فيه من معنى الدعاء، والقياس في ذلك النصب عند سيبويه.
(1) الإسراء: 23.
(2) الأنبياء: 67.
[320] التخريج: البيت للحطيئة في ديوانه ص 72وتخليص الشواهد ص 206والدرر 3/ 64 ولسان العرب 11/ 573 (قول) ، 13/ 130 (حنن) وبلا نسبة في العقد الفريد 5/ 493وهمع الهوامع 1/ 189.
الإعراب: تحنّن: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر وجوبا تقديره (أنت) . علي: جار ومجرور متعلقان بالفعل (تحنّن) . هداك: فعل ماض، و «الكاف» : مفعول به. المليك: فاعل. فإن:
«الفاء» : حرف استئناف، «إن» : حرف مشبه بالفعل. لكل: جار ومجرور متعلقان بخبر (إن) المقدم. مقام:
مضاف إليه. مقالا: اسم (إن) منصوب.
وجملة «تحنّن» : ابتدائية لا محل لها. وجملة «هداك المليك» : استئنافية لا محل لها، وكذلك جملة «إن لكل مقام مقالا» .
والشاهد فيه: أن (تحنّن) هنا معناه (ترحّم) .