تلميذه العلامة ابن القيم -رحمه الله- وهي: أنه يلاحظ في جمل هذه الخطبة أنها جاءت بصيغة الجمع"نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا"وفي الشهادتين جاءت بصيغة الإفراد"وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وهذه هي الصيغة الصحيحة، فلا تقول:"ونشهد"بصيغة الجمع، فما السر في ذكر الجمل الأولى بصيغة الجمع وذكر الشهادتين بصيغة الإفراد؟ ذكر شيخ الإسلام المؤلف أن لهذا وجهين [1] :
الأول: أن الجمل الأولى فيها دعاء وطلب من الله سبحانه وتعالى، وهذا مما تدخله النيابة، فالمسلم يدعو لنفسه ويدعو لإخوانه، وأما الشهادتان وهي التوحيد والإقرار بالرسالة فإنهما لا ينوب فيهما أحد عن أحد، فلا تدخلهما النيابة.
الوجه الثاني: أن الجمل الأولى هي إنشاء، أما الشهادتان فهما إخبار من الإنسان عن نفسه بما يعتقد، ولا يمكن لأحد أن يخبر في هذا على الحقيقة إلا عن نفسه، وأما إذا قلنا: فلان يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"فهذا إخبار عما أظهر لا عما يعتقد في نفسه، فهذا من السر في الفرق بين جمل هذه الخطبة، والله أعلم."
قوله"أما بعد"هذه الكلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود، وهي جملة كان من هدي النبي -عليه الصلاة والسلام- استعمالها في خطبه، فبعد حمد الله والثناء عليه يقول:"أما بعد"وهذه الجملة للناس فيها كلام من حيث أول من قالها، واختلفوا في هذا اختلافًا كبيرًا، فقيل: أول من قالها داود عليه السلام،
(1) ينظر تهذيب سنن أبي داود لابن القيم 3/ 54.