قوله"وأما حقيقة ما دل عليه ذلك ... إلخ: تقدم أن صيغة الجمع في حق الله تعالى من نوع المتشابه، وهذا الاشتباه نسبي -أي لبعض الناس- فأما من هداه الله تعالى فإنه يجمع بينها وبين المحكم فيعرف المراد من هذا وهذا، وهذه الصيغة من نصوص الصفات لأنها إخبار من الله عنه نفسه، فلها تأويل نعلمه، وتأويل لا نعلمه، والتأويل الذي نعلمه هو التأويل بمعنى التفسير، والذي لا نعلمه هو ما تدل عليه هذه النصوص من حقائق أسماء الله تعالى في الواقع وكثرة الجنود، ونحن نعلم أن لله سبحانه جنودًا كثيرين، وعبيدًا كثيرين، لكن لا نعلم مداهم ولا نحصيهم ولا نعلم قوتهم، فالملائكة مثلًا نعلم أنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ونعلم أنهم كثيرون، ولكن لا نتصور ولا ندرك مدى هذه الكثرة، ولا مدى طاعتهم وخضوعهم وعبوديتهم لله تعالى، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه ثم وازن الشيخ رحمه الله بين ورود هذه الصيغة في حق الله، كما في الآيات المتقدمة، وصدورها عن بعض الخلق، -وبينها بلا شك فرق- بقوله"بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء فقد علم أنه هو وأعوانه مثلَ كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك أمروا به"أي وإن كان ابتداء الأمر من قبل الملك فإن الكاتب والحاجب والخادم ونحوهم له تأثير في هذا الأمر ومشاركة فيه، حتى إن الشفاعة عند المخلوق تتضمن نوع شركة للشافع مع المشفوع عنده، وأما الشافع عند الله تعالى فلا ملك له، بل الشفاعة كلها لله تعالى، فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، ولكن الشافع عند الملك من البشر له مشاركة، لأن المشفوع عنده يمكن أن يشفِّع أو يستجيب لهذا الأمر المطلوب وإن كان كارهًا، لأنه"