فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 610

أن هؤلاء النفاة من المعتزلة والأشاعرة يبنون قولهم في نفي الصفات على هذه الطريقة، وهي نفي التجسيم والتحيز. ومن المعلوم أن إثبات الصفات حق ثابت بالعقل والسمع، والحق لا يمكن أن يقوم على نفيه دليل صحيح، وأي دليل يقام على إبطال هذا الحق فهو باطل، وعليه فدليل هؤلاء على إبطال صفات الكمال بدلالة نفي التجسيم والتحيز دليل باطل لاستلزامه نفي الحق الثابت.

والوجه الرابع من وجوه فساد هذه الطريقة أن سالكيها متناقضون، والتناقض دليل الفساد، ولو كانت صحيحة لم تتناقض. والكلام هنا مع الأشاعرة والمعتزلة، فالمعتزلة يوافقون الأشاعرة في إثبات الأسماء، والأشاعرة يوافقون المعتزلة في نفي ما نفوه هم من الصفات.

فيقول المعتزلة للأشاعرة: إثباتكم لما أثبتم من الصفات يستلزم التجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم، فإثباتها مستلزم للتجسيم، والله تعالى منزه عن التجسيم.

فيقول لهم الأشاعرة: وأنتم يا معتزلة أثبتم لله تعالى أسماء، ومن المعلوم أنه لا يوجد في الشاهد مسمى بهذه الأسماء إلا ما هو جسم، فما أثبتموه من الأسماء مستلزم للتجسيم، وإذا كان هذا غير لازم في نظركم، فكذلك إثبات ما أثبتنا من الصفات غير مستلزم للتجسيم، فكل من أثبت شيئًا ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي.

فالمعتزلة يحتجون على الأشاعرة بما وافقوهم فيه من النفي، والأشاعرة يحتجون على المعتزلة بما وافقوهم فيه من الإثبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت