ونفي اللغوب وما يستلزمه، يستلزم إثبات كمال القدرة والقوة. وهو سبحانه وتعالى منزه عن الأكل والشرب ونحو ذلك مما فيه افتقار إلى الغير واحتياج إليه في إعانته على قيام ذاته وأفعاله، فكل ذلك منفي عن الله تعالى لمنافاته كمال غناه.
كما ينفى الأكل والشرب عن الله تعالى لمعنى آخر أيضًا، وهو استلزامه للجوف، فالآكل والشارب أجوف، والله تعالى صمد كما قال سبحانه (( اللَّهُالصَّمَدُ"،ومما فسر به الصمد أنه الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب."
كما أشار الشيخ إلى دليل ثالث لمنع الأكل والشرب عن الله تعالى، وهو أنه لما كانت الملائكة صمدًا مستغنية عن الأكل والشرب وهذا كمال في حقها لا نقص فيه، فمن باب قياس الأولى، فالله تعالى أولى بهذا الكمال، فهو أولى بأن يكون مستغنيًا عن الأكل والشرب غير مفتقر ولا محتاج إليه. فكل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق أولى به.
ومن دلائل نفي الأكل عن الله تعالى، أنه تعالى جعله دليلًا على نفي الألوهية في رده على النصارى الذين اتخذوا المسيح وأمه إلهين، فقال تعالى: (( مَاالْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ" [المائدة: 75] ."
ووجه ذلك أن الأكل يستلزم افتقارها، والافتقار نقص ينافي الإلهية، فلو كان الله تعالى يأكل ويشرب لما كان في هذا دليل على بطلان إلهية المسيح وأمه، وإذا كان الله تعالى منزهًا عن الأكل والشرب فهو منزه عن آلائه وأعضائه: كالكبد والطحال ونحو ذلك، فثبت تنزهه سبحانه عن الأكل والشرب سمعًا وعقلًا.