غيرها. ولا يخرج حسن الفعل وقبحه عن كونه ملائمًا أو منافرًا. فالصواب إثبات الحسن والقبح العقليين والشرعيين، فالصلاة -مثلًا- فعل حسن بالشرع والعقل، وكذا التوحيد والإحسان إلى الخلق.
والشرك فعل قبيح عقلًا وشرعًا وكذا الظلم والزنا. والإحسان فعل ملائم، والظلم والعدوان فعل منافر، ولكن الجزاء على فعل الحسن أو القبيح لا يكون إلا بالشرع. فالمعتزلة أصابوا في جعلهم الحسن والقبح مدركًا بالعقل، وأخطأوا حيث أخرجوه عن معنى الملاءمة والمنافرة. كما غلطوا أيضًا حيث لم يثبتوا الحسن والقبح الشرعيين وجعلوا الشرع مجرد كاشف لما أدركه العقل.
كما غلطوا في جعلهم العقل موجبًا للأحكام الشرعية، فأثبتوا إيجابًا وتحريمًا وثوابًا وعقابًا بمجرد العقل، فما دل العقل على حسنه فهو واجب، وما دل على قبحه فهو محرم، وفعله موجب للعقاب.
والصواب أن العقل وإن دل على حسن الفعل وقبحه فإنه لا يقتضي وجوبًا ولا تحريمًا، فلا وجوب إلا بالشرع، ولا تحريم إلا بالشرع، فالأحكام التشريعية لا تؤخذ إلا من الشرع، والعقاب لا يكون إلا بعد ورود الشرع. كما قال تعالى: (( وَمَاكُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" [الإسراء: 15] ، فالأفعال الحسنة سبب للثواب، والأفعال القبيحة سبب للعقاب، ولكن هذه السببية مربوطة بالشرع لا سيما مسألة العقاب، فالعقاب لا يترتب على مجرد الأفعال مطلقًا، بل لابد من قيام الحجة وبلوغ الرسالة كما قال تعالى: (( وَمَاكَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى"